الناقد المحسني: الأدب الحي له من التأثير والتأثر وهذا لا يعني انسلاخه عن شخصيته

بمناسبة صدور كتابه «الباصرة الحجازية»

الناقد المحسني: الأدب الحي له من التأثير والتأثر وهذا لا يعني انسلاخه عن شخصيته

د. عبدالرحمن المحسني
حاوره – محمد باوزير
 

يذهلك التقصي الدقيق والمتابعة الحثيثة التي بذلها الناقد الشاب د.عبدالرحمن بن حسن المحسني أستاذ الأدب والنقد بجامعة الملك خالد بأبها من خلال كتابه الهام «الباصرة الحجازية.. دراسة في أثر جماعة الديوان في أدباء الحجاز» الصادر عن نادي مكة الثقافي الأدبي بالاشتراك مع دار الانتشار العربي، فأنت تكون أمام بصيرة نقدية تملك ذائقة قوية في استكناه النصوص الشعرية والمقالات النقدية التي انتجها أدباء الرعيل الأول في الحجاز وكيف كان تأثرهم السريع بجماعة الديوان (العقاد – شكري- المازني) وانعكاس أفكار هؤلاء الأعلام على إبداعهم، بل تقصى الناقد المحسني جملة من القضايا التي مارسها أقطاب هذه الجماعة وكيف اصطبغ بها أدب الرواد في الحجاز وغالوا في التقليد والمحاكاة كما أظهر مؤلف كتاب «الباصرة الحجازية» رؤية أدبائنا لمفهوم التجديد ووحدة النص فيما قدموه من إبداع.

الكتاب حظي بإشادة كبيرة نوه فيها بتهدي المؤلف إلى أصول وفروع جوانب مهمة لأدبنا وثقافتنا مع معالج ودراية كشفت بصيرة لدى الناقد المحسني.

ثقافة الرياض استوقفت صاحب الكتاب لمحاورته فكانت هذه الإجابات.

تأثير جماعة الديوان امتد إلى غير أدباء الحجاز فوصل العراق والشام

العواد خلط نقده بقضايا شخصية مستفزة فانصرف نقده عن قيمته

  • ما مرد تأثر الأدباء الحجازيين بجماعة الديوان دون غيرهم من التيارات النقدية والمدراس الشعرية مثل (أبوللو – الإحياء – الأمناء – الشعر الجديد في العراق – المهجر) ممن لهم أثر في سياق الحركة الثقافية والنهوض بالشعر في العصر الحديث؟
  • لا يمكن ابتداء أن يخضع الأديب لمؤثر واحد، وقطعاً إن كل الجماعات التي أوردتَها قد ألقت بظلالها عليهم؛ فالأديب لا يمكن أن يكون رهناً لسلطة فكر واحد أو جماعة واحدة. قد يستأثر أديب ما باهتمامه فيكون تأثره به كبيراً مقارنة بغيره، وهذا تماماً ما حاولت الدراسة إثباته من خلال فصولها، وكان بمثابة التحدي الأهم للدراسة؛ فمثلا أديب حجازي كأحمد عبدالغفور عطار يكتب كتاباً كاملاً سماه العقاد، وصحيفة الأضواء الحجاز تفرد مساحة بعنوان تعال نحاور عملاق العربية العقاد، والمازني يحتفي به الحجازيون وبكتابه صندوق الدنيا إبان زيارته للحجاز، وعزيز ضياء يحتفي بنتاج شكري.. وهكذا نجد أن حضور أدباء الديوان كان في باصرة أدباء الحجاز وهذا ما ركزت عليه الدراسة، وحاولت إبرازه.
  • هل ثمة تأثير لجماعة الديوان في الحياة الأدبية وقع على بعض أقطار البلاد العربية؟ أم انحسر تأثيرها على أدباء الحجاز؟
  • بالطبع، تأثيرها عام على الوطن العربي، وكل الكتب النقدية التي تتحدث عن المؤثرات في الأدب العربي تجعل جماعة الديوان واحدة من أهم الجماعات المؤثرة فيه. وهناك كتب نقدية تناولت وركزت على تأثيرها في بعض البيئات ككتاب الدكتور محمد مصايف عن تأثيرها في العراق والشام.
  • هل استقلت شخصيتنا الأدبية بعد هذه العقود من التأثر أم مازالت وطأة التأثير تكسو ملامح أدبنا؟
  • كل أدب حي لابد له من التأثر والتأثير حتى جماعة الديوان نفسها كانت متأثرة بالرومانسية وأعلامها. لا يمكن أن يفصل أدب عن مؤثراته ولا يعني ذلك انسلاخ شخصيته؛ فالتأثر سنة باقية لكل أدب حي. وأدب الحجاز علامة فارقة في تلك الفترة المتقدمة من الخمسينات الهجرية إلى الثمانينات والسبب هو مثل هذا الانفتاح على ثقافة الآخر تأثراً وتأثيرا، فلم يكن الحجاز مستقبلا فقط بل كانت أعلامه كالعطار وعبدالقدوس الأنصاري وعواد وشحاته يكتبون في الصحف المصرية وينشرون مقالاتهم في الرسالة وغيرها، بل يطبعون دواوينهم في مصر كما أثبتت الدراسة.
  • ألا ترى أن المعارك النقدية عند أدباء الحجاز، لم تكن خالصة للنقد ذاته وأنها أقرب إلى الافتعال ومشوبة بالأهواء الشخصية لاسيما كتابات محمد حسن عواد؟
  • ليست كلها يصدق عليها هذا، فبعض المعارك كانت أدبية ونقدية ولها تأثيرها الإيجابي، وحتى معارك العواد إذا محصت وجد أنها تستلهم المعرفة والنقد في عمومها، لكنها خرجت من الأدب إلى الشخصنة بما عرف من حدة العواد وتأثره الكبير بجماعة الديوان وبكتاب الديوان تحديداً وتأثره بموقف العقاد والمازني من شكري وشوقي فبنى على منواله موقفه من شوقي حيث هاجمه واتهمه بأنه شركسي دخيل، وهاجم عبدالقدوس الأنصاري صاحب المنهل بما لا يحسن ذكره. وهاجم شحاته وغيرهم وخلط النقد بقضايا شخصية مستفزة جعلت من يقرأ هذه الصراعات ينصرف عن قيمة ما فيها بما أورده – سامحه الله– من هجوم على شخصيات فاضلة.
  • بحكم أن الحجاز وشبيبته الأدبية كان من أسرع الأقاليم تأثراً بالثقافة والأدب في مصر؛ هل انعكست الأدب والثقافة في الحجاز على الأقاليم الأخرى في المملكة أو بعض دول الخليج؟
  • بحكم الجوار لمصر وصعوبة الاتصال آنذاك كان تأثير ذلك محدوداً حتى انفتحت الثقافة ووحدت هذه البلاد أطراف الوطن، فبدأت كتب أدباء الحجاز تنتشر في أرجاء المملكة من جنوبها إلى شمالها وشرقها ونجدها فبدأت أعلام الحجاز تترسخ في وعي الأدباء وبرزت أسماء العطار والعواد وشحاته وضياء والفلالي وغيرهم تأخذ تكونها في مسيرة الأدب السعودي. وأشير إلى الدور المبكر لمجلة المنهل التي كان لها أثر كبير على الأدباء يحتاج لدراسات أكاديمية عميقة.
  • لماذا عجزت جماعة الديوان ومن تأثر بها من الأدباء الحجازيين من تطبيق الوحدة العضوية في تجاربهم الشعرية، إلا في النزر القليل من نتاجهم حمل ملامح الصنعة والتكلف؟
  • الوحدة العضوية يكون فيها النص كالجسد بأعضائه حيث لا يمكن حذف بيت أو تقديمه على غيره، وهذا صعب التحقق إلا في النص القصصي.
  • من خلال ما دونه الكتاب من أمثلة وشواهد لم أر أثراً واضحاً للتراث الأدبي في معظم نتاج أدباء الحجاز، ما سر هذا الأحجام؟
  • سؤال مهم وإن كان يحتاج لجهد بحثي واسع لإثباته أو نفيه، لكن أدباء الحجاز في هذه الفترة كانوا مندفعين باتجاه ما سميته (ثورة التجديد) التي لا تلتفت للوراء، وخاصة عند الأعلام كعواد وشحاته على مستوى الشعر والفلالي على مستوى الشعر والنقد. أشير فقط إلى غلبة التيار التراثي على بعض الأدباء في الحجاز مثل العطار وحسين سرحان الذين رغم تطلعاتهم للتجربة الجديدة وإفادتهم منها لكن المصدر التراثي كان حاضراً في نتاجهم بقوة. والموضوع يحتاج فعلاً لدراسة أوسع لمعرفة حجم المؤثر التراثي في خضم هذه الاندفاع للتجديد التي شهدها الحجاز في هذه الفترة.
  • إلى ماذا تعود ثورة العواد النقدية في جُل كتاباته؟ هل بها تأثر بالعقاد أم هي انعكاس لجوانب نفسية تحملها شخصيته؟
  • العواد شخصية قلقة جداً، وفي الدراسة بعض الجوانب النفسية التي أثرت عليه قطعاً كيتمه ووفاة بعض أشقائه وغيرها لكن حجم هذه المؤثرات يبقى محدودا بإزاء تأثره الكبير جدا بأدباء مصر وأخص العقاد، وبالمناسبة فقد كرم العواد في دارة العقاد باعتباره ممثلا لدعوة الديوان في البر الشرقي للبحر الأحمر.
  • لماذا يُصِّر شعراء الحجاز إحلال العقل مكان العاطفة.. فيما نظموه من شعر في تلك الحقبة؟
  • دعوة الديوان وشعر العقاد كان مغلبا للعقل على العاطفة، ربما كان هذا العامل الأهم لذلك، لكن هذا لا يعتبر حكماً عاما على شعرهم جميعه في هذه الفترة وإن غلب ما قلت على شعر العواد، ومحمد حسن فقي مثلاً، لكن شعر شحاته وسرحان وغيرهما مليء بالعاطفة الجياشة.

أود في الختام أن أشير إلى أن أدب الحجاز يعد أدباً مؤسّساً بنيت عليه حركة الأدب السعودي وأفادت منه، وأعلام مثل العواد وشحاته والعطار والفلالي كانت تجرتهم ومازالت مصدر ثراء فكري امتد أثره، وأود الإشارة إلى أن كتاب الباصرة هو الجزء النظري فقط من الدراسة، وتبقى الجزء التطبيقي الذي التقى فيه الحجازيون بجماعة الديوان من خلال تفعيل تطبيقي للنظرية النقدية لجماعة الديوان من خلال شعر شعراء الحجاز ومقاربات الديوان، سيكون الجزء الثاني من الباصرة التطبيقية.